السعيد شنوقة
200
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
مقابله من العقوبة ما يردعنا عن إتيان المفاسد وما يرغّب فينا فعل الواجبات ، وإلا صار المكلف مغرى بالقبح . ولا يجوز على الله تعالى أن يغري عباده للقبيح « 1 » . وهم استدلوا على استحقاق الثواب والعقاب بالأدلة السمعية وهي أن الله عز وجل وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب ؛ فلو لم يجب لكان لا يحسن الوعد والوعيد بهما « 2 » ، وحين يثيرون إسقاط الثواب يذهبون إلى أنه يرجع إلى العبد لا إلى الله عز وجل لأنه نتيجة لفعل العبد . فالثواب يسقط بندم العبد على ما قام به من الطاعات أو بما يفعله من معصية هي أعظم منه ، أما العقاب فيسقط أيضا بالندم على ما فعله من المعصية أو بما يفعله من طاعة هي أعظم منه . لهذا ؛ هم يرون أن زيادة الحسنات والندم على المعاصي هي التي تسقط عن الإنسان العقاب وليس بعفو الله تعالى ، وقد نص على هذا القاضي عبد الجبار المعتزلي : « لا يسقط الثواب بإسقاط الله تعالى البتة » « 3 » ، وذهبوا إلى أن الطاعة تسقط العقوبة المستحقة في الصغائر أما الكبائر ، فإن عقابها لا يزول بكثرة الطاعات المفعولة . وإذا كان معتزلة بغداد يرون إسقاط العقاب لا يحسن من الله عز وجل بل يجب عليه معاقبة المستحق للعقوبة « 4 » ، فإن معتزلة البصرة جعلوا العقاب حقا لله سبحانه على الخصوص ، ونفوا أن يكون في إزالته إسقاط حق ، وفي هذا قال الباقلاني ( ت 403 ه ) من الأشاعرة : « وكيف لا يحسن من الله العفو عن الذنب ، وقد أمرنا به وحضّنا عليه » « 5 » . ويمكن القول بعد هذا : إنّ الوعد والوعيد عند المعتزلة يمثّل أساس معنى العدل الإلهي ، ويدل على مفهوم الحرية الإنسانية ؛ فهل يعقل أن يحاسب الله سبحانه العباد على أفعال من صنعه ؟ وكيف يتساوى المحسن والمسئ ؟ لقد اعتقدوا في هذا المجال أن الله لا يخلق وعده ولا وعيده ، وأنه لا يجوز العفو على مرتكب الكبيرة
--> ( 1 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 272 - 273 . ( 2 ) انظر م ن ، ج 2 ، ص 279 . ( 3 ) انظر م ن ، ج 2 ، ص 292 . ( 4 ) انظر إمام الحرمين ، كتاب الإرشاد ، ص 154 - 156 - 157 . ( 5 ) كتاب التمهيد ( الباب الثامن والعشرون - باب القول في الوعد والوعيد ) ؛ ص 352